plusresetminus
تاريخ النشرFriday 31 March 2023 - 10:10
رقم : 31152

الصحافة كمهنة للعيش

محمد مهدي عيسى*
يستحكم رأس المال السياسي والتجاري اليوم في المؤسسات الصحافية الكبيرة والصغيرة على السواء، ويحوّر دورها في تقصي الوقائع ليصبح حملة مستمرة من العلاقات العامة.
الصحافة كمهنة للعيش
منذ أن كتب كارل ماركس عام 1842 في صحيفة "Rheinische Zeitung" الألمانية مقالات عن الصحافة، لا يزال النقاش دائراً عما يمكن أن تمنحه هذه الحرفة للناس والحقيقة.

كان ماركس في الرابعة والعشرين من عمره حين كتب مقالاته الستة عن الرقابة في الصحيفة التي حجبتها السلطات البروسية بعد عام، وكانت الصحافة يومذاك مصدر دخله الوحيد والثابت (إذا استثنينا القروض المنتظمة من صديقه إنجلز) بين عامي 1842 و1865، وهي الأعوام التي شهدت تحريره صحيفتين تقدميتين، فضلاً عن ترؤسه المكتب الأوروبي لصحيفة "The New York Tribune" التي كتب فيها نحو 500 مقال.

في تلك المقالات، يظهر ماركس متحمساً للصحافة الحرة التي تمثّل "العين المفتوحة لروح الشعب في كل مكان"، و"الجوهر الغني للسمة العقلانية والأخلاقية للحرية"، و"الاعتراف الصريح من الناس لأنفسهم"، و"المرآة الروحية التي بإمكان الناس رؤية أنفسهم فيها"، ويدافع عن حرية النقد في مواجهة الرقابة الحكومية، وعن الصفة الشعبية للصحافة الحرة في مقابل الامتيازات. والأهم هنا عن الصحافة المفارقة في حريتها لحرية المهن التجارية: "الحرية الأولى للصحافة هي ألّا تكون مهنة"، يقول ماركس.

لكن ما معنى أن لا تكون الصحافة مهنة؟ ربما علينا الإجابة باستعارة مستوحاة قليلاً من ماكس فيبر: السعي، ولو بالحد الأدنى، للعيش من أجل الصحافة لا منها، فهذا وحده ما يضمن ألا يتحوّل الصحافي إلى طفيلي على حساب الرسالة والحقيقة.

في محاضرته عن السياسة بوصفها حرفة، يتناول أب السوسيولوجيا الألمانية العلاقة بين احتراف السياسة ورأس المال. جادل فيبر بأنّ احتراف السياسة يجري بطريقتين: الأولى هي أن يعيش المرء من أجل السياسة، والأخرى هي أن يعيش المرء من السياسة. ما معنى لك؟ يقول فيبر إنّ معنى العيش من أجل السياسة هو أن تصبح هدفاً لحياة المرء، إما لأسباب سلطوية وإما لأسباب نفسية، كأن يجد معنى لحياته إن وضعها في خدمة قضية محددة. أما العيش من السياسة، فهو الكسب منها وجعلها مصدر دخل رئيسياً لمحترفها.

أن يعيش المرء من أجل السياسة لا يعني أنّه لن يستغل قدرته على توزيع المناصب أو الرقابة والإدارة والمحاسبة من أجل تحقيق المصلحة المادية الشخصية، وأن يعيش من السياسة لا يعني أنّه لن يكون ذا قضية أو مبدأ، إلا أنّ ما يميز بين الأمرين أساساً هو التفرّغ الذي يتيحه رأس المال والاستقلال الاقتصادي، فالذي يحيا "من أجل" هو أقرب ما يكون إلى النبلاء الأحرار الذين يملكون ترف الاهتمام بالشؤون العامة. أما الذي يحيا "من"، فهو أقرب ما يكون إلى الوسطاء المدبرين الذين لا يملكون قوت يومهم ما لم يأتِهم به سيدهم.

الصحافيون، في نظر فيبر، ينتمون إلى صنف المعتاشين من السياسة. لذلك، يصعب بلوغهم الزعامة. يعود ذلك، في رأيه، إلى "عدم التفرّغ الحر" الواضح جداً في الصحافة، فالضرورة التي تفرض على الصحافي كتابة مقالته اليومية أو الأسبوعية أحياناً ليحصل من خلال ذلك على قوته اليومي هي "ضرورة تشكل نوعاً من القيد الذي يكبّل كل صحافي".

تبعية الصحافي للسلطة - لما تمنحه إياه من دخل ووجاهة - متأصلة في العمل الصحافي، كما يرى فيبر، لكن ذلك لا يعني فقدانه التأثير فيها إلا بالقدر الذي يستحكم أصحاب رأس المال في الصحافة، أي حين يصبح الصحافي عنصراً وظيفياً يضع كل قوته الفكرية ونشاطه البدني في خدمة قوة الإنتاج، سواء أكانت عامةً أم خاصة، وهذا ما يوجزه فيبر بعمق بالقول: "إنّ العامل الصحافي يخسر باستمرار من تأثيره السياسي، في الوقت الذي يزيد القطب الصحافي الرأسمالي تأثيره السياسي".

هنا، تظهر قيود المهنة على الصحافة، فاستحكام رأس المال وأيديولوجيا المهنة بهذه الحرفة التي كانت حتى زمن إلقاء فيبر محاضرته عام 1919 لا تمنح ممارسها تصنيفاً اجتماعياً ثابتاً، ساهم في نزع استقلالية الصحافة بوصفها "مرآة للناس" بتعبير ماركس، أو "إنجازاً يحتاج إلى الكثير من العقل" بتعبير فيبر، وأسرها في بنية مغلقة تحاصر اللغة في إطار الإنشاء، والفكر في إطار الدعاية، والرسالة وفي إطار المرسِل.

تطبق المؤسسة اليوم على الصحافة، وتحدد مجالها المفتوح نظرياً بقواعد الإنتاج والأجندة والممارسة المهنية. بمعنى آخر، تعمل على رسملة الثقافة أو "صناعة الثقافة"، بتعبير مفكري مدرسة فرانكفورت، لتكون متوافقة مع متطلبات السوق.

والسوق هذه ليست تجاريةً فحسب، فالرأسمال السياسي لا يقبض المال بدل المقال أو نشرة الأخبار أو المقابلة، إنما بدل ولاء المتلقي وصوته، وهو لا يستثمر مباشرةً في الحاجات الطبيعة، إنما في الحاجة إلى الهوية وجماعة الانتماء.

لذلك تحديداً، تفقد الصحافة قيمتها الثقافية وفاعليتها السياسية المستقلة، فحين ترتهن إلى السوق بتمأسُسها، تصبح أداةً بيد القوى المسيطرة في المجتمع ووسيلة لهيمنة ثقافية تطرح ما تطرحه بلغة البديهي والطبيعي، وإن أخفي ذلك بحوار واختلاف مصطنع.

ما كان يحفّز "ماركس الصحافي" على الكتابة في شأن الاستعمار البريطاني للهند أو عن الثامن عشر من برومير (المقال الذي أصبح مدخلاً لفهم نظرية ماركس عن الدولة الرأسمالية) لم يكن بأي حال من الأحوال مقيداً بضوابط المهنة وخيال المؤسسة.

هذا الخيال يحد الصحافي ويحوّله من كاتب إلى موظف كتابة، ومن صاحب رؤية إلى وسيط يترجم توجهات الممول أو الراعي السياسي أو هيئة التحرير إلى منتجات ملأى بالتكرار والتأطير للاحتمالات المفتوحة المتاحة للفكر بإطلاله على الواقع، وربما في بعض الأحيان إلى "منافح أصيل" عمّا تراه المؤسسة ولا يراه هو؛ فـ"الحرية" في صحافة الامتهان ما هي سوى القدرة على الترفّع من موقع وظيفي إلى آخر أعلى.

إن مآل مأسسة الصحافة هو التدجين غالباً، فالمؤسسة ببنيتها البيروقراطية وأجندتها السياسية وإيغالها في حشد الفكر وراء تصنيفي "المباح" و"المحرّم" تجعل الممارسة الصحافية فعل تلقٍّ لا إبداع، وتغلق أبواباً من النقد لا يمكن أن تكون مفتوحة في ظل رقابة لا تفرضها السلطة الحكومية بقدر ما تفرضها سلطة الأقطاب السياسية والمالية.

أن يجد الصحافيون أنفسهم منبوذين عند طرحهم رؤى لا تشترك مع "المسلمات" المقررة من رأس هرم المؤسسة، حتى تكاد لا تجد صحافياً يخرج عن "برادايم" المؤسسة ولا ينزع عنه قميصها إلا في جلسات الإسرار الضيقة، هو أوضح دليل على انغلاق المجال التداولي للأفكار في "صحافة المؤسسات"، وتقهقر السجال من أجل الحقيقة أمام تقدّم المصلحة، أو فلنقل هو الدليل على تفسخ الصحافة وذبولها، إذ إنّه ليس مقدّراً للصحافة أن تحيا إلا بالنقد.

مطاردة الحقيقة

لا ينبغي قصر ملاحظتنا للتهديدات المتربصة بالصحافة على شكل الممارسة فحسب، بل على محتواها أيضاً، وعلى السياقات الاجتماعية التي تجري فيها، فإذا ما كانت غاية الصحافة استقصاء أوجه الحقيقة ووضعها في متناول عامة الناس، فإنّ المقاربة تقتضي فحص العلاقة القائمة بين طرفي المعادلة اليوم، وبالتالي التحقق من قدرة الصحافة على الوفاء بوعدها في جلاء الحقيقة.

إن كانت الصحافة حرفة سياسية، كما عدّها فيبر، فمن البديهي أن نتساءل عن موقع الحقيقة في الممارسة السياسية. هذا بالتحديد ما سعت الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت لمقاربته عام 1967 في مقال طويل بعنوان "Truth and politics".

تميز أرندت بين جنسين من الحقيقة؛ الأولى عقلية (rational truth) كالحقائق الرياضية والفلسفية، والأخرى واقعية (factual truth) كالحقائق التاريخية والاجتماعية، والأخيرة تمثل "نسيج مجال السياسة" وتقع في حدوده، وهذا تحديداً ما يقلّص حظوظها في البقاء والصمود في مواجه السلطة التي تسعى للتلاعب بها وتنحيتها، ليس بصورة مؤقتة فحسب، بل ربما إلى الأبد أيضاً.

إنّ التعارض بين الحقيقة والسياسة لم يكن دائماً تعارضاً بين الصواب والكذب، إذ إنّ الكذب المنظم الذي ننظر إليه اليوم بوصفه أكبر تهديد للحقيقة لم يكن هو ما يثير قلق الفلاسفة منذ أفلاطون وحتى هوبز، فالرأي المحض أولى بالخشية على الحقيقة، لأنّه الوهم الذي يحول دون قبول الحقائق ويأخذ مشروعيته من الإجماع والفصاحة لا من الاستدلال المنطقي والمتماسك، ولأنّه كذلك، أي لأنّه غير مطلق ولا يعلو السلطة إنما يخدمها، يشكل أبرز مستلزماتها، فجميع الحكومات في المحصلة "تعتمد على الرأي"، وفق ما قال والد الدستور الأميركي جيمس ماديسون ذات مرة.

تجادل أرندت بأنّ من طبيعة المجال السياسي "أن يكون في حرب مع الحقيقة في كل أشكالها"، فالحقيقة ذات طابع استبدادي وقسري، فلا تقبل القسمة أو المجادلة أو الرأي، ولا تعتني بالإجماع أو الرضا، وهي تتطلب الاعتراف بها، ولا تعترف بآراء الناس، فيما النقاش "هو جوهر الحياة السياسية بالذات"، والآراء هي "العلامة المميزة لكل فكر سياسي" يقوم على مبدأ التمثيل والنيابة عن الآخرين.

فضلاً عن ذلك، فإنّ الصدق، كما تقول أرندت، لا يمثل فضيلة من فضائل السياسة، لأنّه ليس ذا شأنٍ في النهوض بتغيير الواقع الذي تنهض به السياسية، بل إنّ الكاذب لا الصادق هو إنسان الفعل والعمل السياسي الذي يستطيع خدمة المصالح العامة من دون النظر إلى توافقها مع مبدأ الحقيقة، في حين أنّ مجرد قول الوقائع والإخبار عنها لا يؤدي إلى أي فعل (ألا يبدو "حماة الحقيقة" غالباً أكثر خمولاً من منتهكيها؟).

لكن إذا كانت الحقائق على هذا القدر من التنافر مع السياسية، وإذا ما كانت الوقائع قابلة للفبركة والتأويل بالرأي أو حتى التدمير، فإنّها مع ذلك غير قابلة للتبدل بشكل دائم، فالوقائع رغم هشاشتها قادرة على مقاومة ضغط السلطة، وبعنادها تحتل منزلة أعلى، لأنّ تشكيلات السلطة أكثر وقتية واعتماداً على توافق الآراء والمصالح من الحقيقة.

وبسبب وعي السلطة محدوديتها أمام حقائق الواقع، فقد أنشأت مؤسسات تعتني بحماية الحقيقة من انتهاكات السياسة ومن الصراع حولها. لهذا، انبثقت مؤسسات القضاء والتعليم لضمان إدارة العدل وتربية المواطنين من خارج السلطتين الاجتماعية والسياسية.

واحدة من الظواهر الحديثة نسبياً التي ترصدها أرندت هي التلاعب الواسع بالواقع من خلال صناعة الصور (الصحافة) وكتابة التاريخ والسياسات الحكومية. كان الكذب السياسي تقليدياً يتعلق بأسرار السلطة، ولم يكن يعني سوى الخواص، وكان موجهاً بشكل أساسي إلى الأعداء، وهو إلى حد بعيد خداع للآخر لا للذات.

أما حديثاً، فقد صار الكذب عاماً ومنظماً وينطلي على خداع للذات وعجز عن تحديد الصواب من الخطأ عند الكاذب نفسه، وهذا ما تعزز بفعل وسائل الإعلام الجماهيرية التي تملك القدرة على بناء نسخ متعددة عن الواقع لا تسعى لاسترضائه بل لاستبداله.

تناول أرندت هذه المسائل قبل أكثر من نصف قرن يوضح أنّ الظاهرة التي ندعوها اليوم "سياسة ما بعد الحقيقة" ليست جديدة كلياً، وإن كان تعريفها لم يظهر إلا عام 2016 في قاموس "أكسفورد"، الذي اختارها كلمةً لذلك العام، بعدما زاد استخدامها عقب التصويت على خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي عام 2015 وانتخاب دونالد ترامب، رائد الأكاذيب السياسية، عام 2016.

يشير مصطلح "ما بعد الحقيقة" إلى ظروف وسياقات اجتماعية وسياسية تكون فيها حقائق الواقع أقل تأثيراً في تشكيل الرأي العام من المشاعر والآراء والاعتقادات الخاصة. بقولٍ آخر، هو تعبير عن هذا التيار المتنامي الذي يشجع على ليّ عنق الواقع ليناسب الآراء أو إعادة انتقاء الحقائق وترتيبها في سياق يفضّل تفسيراً معيناً للحقيقة على تفسير آخر.

يعمّق الفيلسوفي الأميركي لي ماكنتاير فهمنا لعالم "ما بعد الحقيقة" في كتاب يحمل العنوان نفسه، إذ يوضح أنّ السعي لتأكيد ما هو أهم من الحقيقة يفتح الطريق أمام الهيمنة الأيديولوجية والسياسية، ففي عالم يفتقد ساكنوه إلى معايير تحدد الصواب والخطأ بعيداً من التحيزات المعرفية والتشكيك في الواقع والخلط العدواني بين الرأي والمعلومة، وبين الشخص والموضوع، وبين المصلحة والحقيقة، يصبح الخضوع لأقطاب السياسة والأعمال أمراً واقعاً.

يتتبع ماكنتاير أصول ظاهرة "ما بعد الحقيقة"، فيجدها مرةً حاضرة في تفكيكية "ما بعد الحداثة"، وأخرى في التحيز المعرفي، لكن ما يهمنا هنا هو الآلية التي تسوّغ بها الصور المفبركة للحقيقة وعلاقة الصحافة بذلك.

تبدأ إحدى قصص عالم "ما بعد الحقيقة" المثيرة في فندق بلازا في نيويورك. هناك، وتحديداً في عام 1953، اجتمع رؤساء كبرى شركات التبغ برجل العلاقات العامة البارز جون هيل لمناقشة شكل استجابتهم لورقة علمية مخيفة تُظهر وجود علاقة بين قطران السجائر وإصابة الفئران بالسرطان.

كان اقتراح هيل بسيطاً ومقنعاً: إذا كنت هذه إحدى نتائج العلم، فلنبحث عن نتائج أخرى. الشركات كلها متضررة من هذه الأبحاث التي تخفض حجم المبيعات وتثني المستهلكين عن الإقبال. لذلك، ينبغي الاتحاد ورعاية أبحاث تأتي بنتائج معاكسة.

هكذا استحدثت الشركات لجنة أبحاث صناعة التبغ، التي كانت مهمتها إقناع الجماهير بعدم وجود دليل على أي علاقة بين التدخين والسرطان، وأنّ الأبحاث التي تضيء على مثل هذه العلاقة هي عرضة للشك "العلمي". نجحت الخطة في النهاية، واستطاعت اللجنة من خلال تحويل هذه القضية إلى قضية سجالية في وسائل الإعلام الأميركية تمكين الشركات من مقاومة الضغوط السياسية والاجتماعية على مدار 4 عقود، رغم تضافر الأبحاث العلمية التي تثبت أنّ التدخين مسرطِن.

هذه الواقعة التي حلَّلها مؤرخ العلوم روبرت بروكتور وصاغ انطلاقاً منها نظريته عن الجهل (agnotology) تُظهر كيف يشكّل تزييف الحقائق وإنتاج الجهل العالم الذي نعيشه اليوم، لكن الأهم أنّها تُظهر كيف يحدث ذلك، فمنذ أن نشرت إحدى المذكرات الداخلية التي حررها أحد المديرين التنفيذيين في شركات التبغ، والتي قالت إنّ "الشك منتجنا لأنّه أفضل وسيلة للتنافس مع الحقائق القابعة في أذهان الجمهور العام"، اتضح كيف يمكن استخدام أحد أبرز خواص البحث العلمي ضد الحقيقة العلمية نفسها، وهو إطلاق نار على الذات ما كان ليكتب له النجاح لولا تداوله بشكل واسع في الصحافة التي تخفي الكثير من تحيزاتها باختلاق الشكوك والبحث عن أصوات مغايرة فيما هو في الأساس لا يقبل الآراء بل الإصغاء إلى الحقائق.

إن كانت الصحافة في عصرنا تُنتج الشك لإغراق الحقيقة، فإنّ منتجاً آخر لا يقل أهمية يأتي بالنتائج نفسها، هو الإغراق بالآراء، فالنزاع القديم بين الحقيقة والرأي آخذ في التصاعد - وخصوصاً إن أخذنا بالحسبان واقع الصحافة العربية – إذ تقوم الآراء والتحزبات السياسية والأيديولوجية مقام الوقائع أو ينشأ ذلك المزج الفظيع بين الحقائق والآراء، إذ تؤدي الأولى دور الخادم أو الطعم لالتقاط خطاف الصنارة، فالرواية هي ما يحدد شكل الوقائع لا العكس.

وعلى هذا الأساس، يفتح النقاش أمام عدد لا محدود من الروايات التي تُرتّب وفق قناعات أو مصالح، فتباين الدوافع هنا لا يحدث فرقاً، لأنّ الكثير من الأكاذيب – في المحصّلة - لا يصدر عن نيات سيئة.

وبما أنّ الآراء المجردة لا تلقى قبولاً واسعاً في الكثير من الأحيان، فقد اتجه بعض ممارسي الصحافة نحو اللغة الإنشائية التي تستنطق الواقع لا بما هو كائن بل بما ينبغي أن يكون، وهذا ما يمنح الرغبات والمشاعر صوتاً قد يكون مقنعاً لكثيرين، لأنّه يمثّل تعويضاً عن الحقائق المزعجة.

لهذا، إنّ الكلمة الفارغة من المعنى باتت الفاعل الأساسي في بناء الواقع، لا من خلال الدليل والبرهان، بل من خلال الإيحاء والطقسنة، فاللغة المقفلة في العالم الإنشائي الذي نحياه، وفق ما يطرح هاربرت ماركوزه في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد"، لا تبرهن على شيء، ولا تفسر شيئاً، إنما تبلغ الحكم أو الأمر من خلال الإشباع بالتكرار واللغو، فهذه اللغة المعادية للتاريخ والمفاهيم لا تهدف إلا إلى إزالة التناقضات وإقامة وحدة استبدادية بين أناس خاضعين لسحر الكلمة.

أودُّ أن أشير في الختام إلى منهجين للتلاعب بالحقائق صحافياً؛ الأول يتمثل في تأطير الواقع زمانياً، والآخر تأطير موضوعه. تعمل الصحافة عموماً على تقليص الواقع في راهنه وتقطيعه إلى وحدات صغرى قابلة لإعادة التركيب والإدماج، فالحدث في الصحافة غالباً ما يفصل عن سياقه وتنزع عنه تاريخيته ويعاد ترتيبه من خارج الوعي بالتاريخ، فالواقع هو الآن وهنا ولا شيء آخر، وهذا تحديداً مأخذ فرانز كافكا على الصحافة، فقد كان يرى أنّ الصحافة مشغولة بمراكمة الأنباء من دون أي اتساق، فهي لا تعدُّ التاريخ إلا "تراكماً للأحداث، وهو أمر لا معنى له".

أما على مستوى التأطير الموضوعي، فيمكن ملاحظة كيف تحدد الصحافة ميدان اطلاعنا على الواقع وفق سياسة تحريرية منحازة، فإن كانت سياسة الصحيفة تنص على العداء لجهة ما، فإنّ تناول هذه الجهة سيكون وفق سياسة الانتقاء الكامل للمثالب وإهمال كل ما يشير إلى عكس ذلك.

يظهر ذلك أيضاً في إقامة تحيزات قد تبدو أخلاقية في ظاهرها، كالإضاءة على العنصرية والفقر وتقييد الحريات والفساد الحكومي في بلد بعيد من أجل إخفاء كل هذه العيوب في الأحياء والمدن التي يأتي متمرسو الصحافة منها إلى أعمالهم (أوروبا تعاني نقص الطاقة والتدفئة، لكن ماذا عن تجمّد النازحين؟ الديمقراطية مهددة بصعود ترامب، لكن ماذا عن الأنظمة المحلية؟).

طريق آخر

يستحكم رأس المال السياسي والتجاري اليوم في المؤسسات الصحافية الكبيرة والصغيرة على السواء، ويحوّر دورها في تقصي الوقائع ليصبح حملة مستمرة من العلاقات العامة التي تنشد الاستقطاب واستمالة الرأي العام نحو زعيم أو حزب أو تحالف أو دولة، وإن كان ذلك على حساب حقائق بديهية.

هذا الانتهاك المستمر لحقائق الواقع يمهّد للهيمنة السياسية الكاملة على أفراد المجتمع، فبتجريدهم من الوسائل الضرورية للاطلاع بصورة موضوعية على ما يحدث قبل الخروج بموقف أو اتخاذ خيار، يفقدون القدرة على الحكم المنطقي والمستقل.

علينا أن ننظر إلى الصحافة اليوم بعين الريبة، فمن خلال رسملتها وتحويل ممارسيها إلى محترفي مهنة فاقدين لشغف معرفة الحقيقة ومجرد حالمين بالارتقاء الاجتماعي والطبقي (طبعاً، هذا لا ينطبق على الصحافة وحدها، بل يشمل قطاعات أخرى كالطب والتعليم)، ومن خلال توسطها في زراعة الشكّ في الحقائق وتغليب الآراء والمشاعر والإنشاء في عالم يتسم بازدراء الحقيقة، صارت أكثر احترافاً في طمس آثار تلاعبها بالوقائع.

الصحافة مطالبة اليوم باستعادة احترامها للإنسان بوصفه كائناً مفكراً لا مجرد متلقٍّ، وهذا لن يتم إلا بتحريرها من هيمنة رأس المال وإعداد المنشغلين فيها لا ليكونوا طفيليات معتاشة على أموال وأيديولوجيات السوق والسياسة، بل ليكونوا رائدين في فضح الأكاذيب المنظمة وإعادة الاعتبار إلى التفكير العقلاني والناقد وتجهيز الرأي العام حتى يكون أكثر تآلفاً مع الوقائع وليس الآراء، ومع البرهان لا الخطاب، ومع الأدلة لا المشاعر.

ما من سبيل اليوم سوى أن تتحرك قوى المجتمع اليوم لممارسة الرقابة على الصحافة، إما من خلال فضح تزويرها وإما من خلال إنشاء صحافة رديفة أكثر عضوية ومصداقية، فإذا ما كان من الصعب تقويض سلطة المؤسسات الإعلامية المهيمنة ومنافسة مواردها الكبيرة، فلن يكون من الصعب خلق مساحات صغيرة ومتنوعة تكسر احتكار الرواية الواحدة، وتمنح المواطن فرصة للاقتراب أكثر إلى الواقع. وبذلك، تمارس الصحافة مهمتها العظيمة: نزع شرعية السلطة المستبدة بفضح روايتها عن نفسها.

قبل أكثر من 70 عاماً، قالت الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل إنّ من بواعث الخجل أن تكون هناك صحف لا يمكن للعاملين والمساهمين فيها أن يحافظوا على وجودهم فيها ما لم يوافقوا على تغيير الحقيقة عن عمد أحياناً. لقد تجاوزنا منذ ذلك الحين كبت الضمير، وغاب سؤال الحقيقة وراء طقوس المهنة، وفقدنا الشجاعة كصحافيين وجمهور على السواء في التخلي عن منطق الرغبة والمصلحة من أجل شرف الحقيقة.

تكشف لنا أرندت الفاعلية السياسية لقول الحقيقة في مجتمع واقع تحت تأثير الأكاذيب المنظمة، فحيث يكذب الجميع بشأن كل ما هو مهم، يكون قائل الحقيقة قد شرع في الفعل، ويكون هو أيضاً قد انخرط في العمل السياسي، سواء أعلم ذلك أم لم يعلم، فبقوله الحقيقة يكون قد خطا خطوة نحو تغيير العالم.

هذا مدخل مناسب لفهم حركة الأنبياء ومفكري البشرية العظام، الذين كانوا يقودون العالم من خلال شجاعتهم على قول الحقيقة فقط، وهذا ما ينبغي أن تتمثّله الصحافة، ولو قليلاً، لئلا يختل انتظام العالم ويهلك.

المراجع والمصادر: [1] ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، ترجمة جورج كتورة، المنظمة العربية للترجمة، 2011.

[2] سيمون فايل، التجذر، ترجمة محمد علي عبد الجليل، دار معابر للنشر، 2010.
[3] لي ماكنتاير، ما بعد الحقيقة، ترجمة حجاج أبو جبر، دار معنى، 2022
[4] كافكا قال لي، غوستاف يانوش، ترجمة نجاح الجبيلي، دار الرافدين ومنشورات تكوين،

2019
[5] TRUTH AND POLITICS, Hannah Arendt, The New Yorker, February 25, 1967

*محمد مهدي عيسى محرر في الميادين 

 *إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي «إیصال نیوز» وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً

انتهی/*
0
شارک بتعلیقک
الإسم الثلاثي
البريد الإلكتروني